محمد عبد الله دراز
121
دستور الأخلاق في القرآن
وليس يخرج عن هذا السّياق تلك العظة البليغة الّتي وجهها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم إلى متخاصمين قبل أن يفصل بينهما . قال صلوات اللّه عليه فيما روي عن أمّ سلمة : « إنّما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النّار » « 1 » .
--> - رجلا من الأنصار يقال له : طعمة بن أبيرق ، أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له : قتادة بن النّعمان ، وكانت الدّرع في جراب فيه دقيق ، فجعل الدّقيق ينتثر من خرق في الجراب ، حتّى انته إلى الدّار ، وفيها أثر الدّقيق ، ثمّ خبأها عند رجل من اليهود يقال له : زيد بن السّمين ، فالتمست الدّرع عند طعمة فلم توجد عنده ، وحلف لهم : واللّه ما أخذها وما له به من علم ، فقال أصحاب الدّرع : بلى واللّه قد أولج علينا فأخذها ، وطلبنا أثره حتّى دخل داره ، فرأينا أثر الدّقيق ، فلما أن حلف تركوه ، واتبعوا أثر الدّقيق حتّى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه ، فقال : دفعها إليّ طعمة بن أبيرق ، وشهد له أناس من اليهود على ذلك . فقالت بنو ظفر ، وهم قوم طعمة : انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فكلموه في ذلك ، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم ، وقالوا : إن لم تفعل هلك صاحبنا وأفتضح ، وبرئ اليهودي ، فهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يفعل ، وكان هواه معهم ، وأن يعاقب اليهودي ، حتّى أنزل اللّه تعالى الآيات . انته « المعرب » . لا نوافق المؤلف قدّس سرّه ، والمعرب في هذا التّفسير ، أو التّأويل ، بل خلاصة أقوال علماء الإمامية : لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين ، وإنّه صلّى اللّه عليه وآله كأن لم يفعل ذلك ، وإلّا لم يرد النّهي عنه - طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر الأنصاري - بل ثبت في الرّواية أنّ قوم طعمة لما التمسوا من الرّسول صلّى اللّه عليه وآله أن يذب عن طعمه ، وأن يلحق السّرقة باليهودي توقف صلّى اللّه عليه وآله وانتظر الوحي فنزلت الآية ، والاستغفار هنا يراد به لأولئك الذين يذبون عن طعمه ، ويريدون أن يظهروا براءته عن السّرقة ، لكن تبين بعد ذلك عكس ما يتصورون ، وكذلك المراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ، ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا . انظر ، بحار الأنوار : 17 / 39 و : 22 / 74 . ( 1 ) انظر ، صحيح البخاري : 3 / 235 ، سنن الدّارقطني : 4 / 239 ح 126 و 127 ، مسند أحمد : 6 / 307 ، -